الخطر الاقتصادي القادم ما هو وهل تأثيره سيكون أقوى من "كورونا"؟!



سوف يسبب الدولار اﻷمريكي صداعاً جديداً بالنسبة للاقتصادات التي تواجه التفشي السريع لفيروس “كورونا” على مستوى العالم، فى ظل تعرض الأسواق الناشئة، بشكل خاص، للخطر وسط محاولاتها للتعامل مع انهيار العملات وانخفاض الطلب.

ويفر المستثمرون من الأسواق الناشئة بمستويات قياسية ويتجهون بشكل كبير نحو الدولار باعتباره ملاذ آمن، مع قيام البنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة مرتين هذا الشهر دون القيام بأي شيء للحد من جاذبية الدولار.


وفي ظل اندماجه في الاقتصاد العالمي بشكل أكثر من ذى قبل، أصبحت مكاسب الدولار تشكل ضغطاً إضافياً على الشركات والحكومات، ﻷن هذه المكاسب تعني ارتفاع تكاليف ديونها المقومة بالدولار.

وأوضحت وكالة أنباء “بلومبرج”، أن معضلة البنوك المركزية فى الأسواق الناشئة تكمن في خفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادى، فهي تخاطر بزعزعة استقرار عملاتها إذا خفضت الفائدة بشكل كبير.


وقال ميتول كوتيشا، كبير المحللين الاستراتيجيين للأسواق الناشئة لدى شركة “تي دي سيكيوريتيز” فى سنغافورة، إن ارتفاع الدولار يمثل ضربة أخرى بالنسبة للأسواق الناشئة، وأوضح كوتيشا أن الطلب على الدولار فاق أي ضربة تلقتها العملة الأمريكية من خفض الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة اﻷمريكية بشكل حاد.


وأشار إلى أن أصول اﻷسواق الناشئة ستواصل النضال، بينما يتجنب المستثمرون الأصول الخطرة نسبياً ويحافظون على تحيزهم للملاذات الآمنة.

وكان البنك المركزي التركي آخر بنك فى الأسواق الناشئة يخفض أسعار الفائدة بشكل طارئ، كما خفضت البنوك المركزية فى كوريا الجنوبية وشيلى وفيتنام وسريلانكا وباكستان بالفعل أسعار الفائدة هذا الأسبوع بعد التحرك الطارئ الذى اتخذه الفيدرالى يوم الأحد الماضي، ومن المتوقع أن تخفض البنوك المركزية في جنوب أفريقيا وإندونيسيا والبرازيل أسعار الفائدة الرئيسية الخاصة بها في الأيام القليلة المقبلة.


ومنذ الأزمة المالية العالمية، أدى الارتفاع غير المتوقع للدولار إلى إبطاء نمو التجارة العالمية، وربما يرجع ذلك إلى تشديد الأوضاع المالية مع تباطؤ الإقراض بالدولار للأسواق الناشئة، وفقاً لبحث حديث صادر عن بنك التسويات الدولية.

وأوضح معهد التمويل الدولي أن التدفقات الخارجة من الأسواق الناشئة بلغت بالفعل مستويات قياسية، حيث وصلت إلى 30 مليار دولار فى 45 يوماً وسط تفشي فيروس “كورونا” المميت.


وانخفضت جميع عملات الأسواق الناشئة الرئيسية، التي يتتبعها مؤشر “بلومبرج”، مقابل الدولار اﻷمريكي منذ 20 يناير الماضي، حيث بدأت مخاوف تفشي “كورونا” في آسيا مع انخفاض الروبل الروسي والبيزو المكسيكي بنسبة 20% تقريباً.

وأشارت “بلومبرج” إلى أن الألم محسوس أيضاً فى آسيا الناشئة، حيث أعاد تراجع السوق ذكريات الأزمة المالية الآسيوية قبل أكثر من عقدين من الزمن، وأوضحت أن الروبية الإندونيسية تعتبر العملة الأسوأ أداء في آسيا هذا العام، بانخفاض نسبته 8.9%، كما أن الوون الكوري الجنوبي يتداول بالقرب من أدنى مستوياته منذ عام 2010، وانخفضت الروبية الهندية إلى مستوى قياسي في اﻷسبوع الماضي.


ويعتقد خون جوه، رئيس قسم الأبحاث الآسيوية في مجموعة أستراليا ونيوزيلندا المصرفية، ومقره سنغافورة، أن الأسواق الناشئة في آسيا تحاول بعناية خفض أسعار الفائدة في الوقت نفسه مع إدارة العملات.

وأكد جوه على استمرار تلك اﻷسواق في استخدام احتياطياتهم من العملات الأجنبية لتسهيل تقلبات العملة، ولكنهم لن يسعوا لوقف الاتجاه أو الدفاع عن أي مستويات معينة.


وأوضح أن السماح ببعض الضعف فى العملة بجانب خفض أسعار الفائدة يعتبر أفضل طريقة لمحاولة تخفيف الظروف المالية العامة في ظل البيئة الحالية التى تتسم بالضعف الشديد للطلب الخارجي، ولم تعاني الأسواق الناشئة وحدها من ارتفاع الدولار اﻷمريكى، حيث تراجعت العملة الأسترالية إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2003، مما يدعو للقلق بالنظر إلى احتمالية ارتفاع تكاليف الاستيراد دون أي منفعة طبيعية في مجالات مثل السياحة الداخلية والتعليم، في ظل تسبب تفشي الفيروس في إغلاق الحدود.


وفي الوقت نفسه، انخفضت الكرونة النرويجية بأكثر من 16% هذا العام، وهو أدنى مستوى لها على الإطلاق في ظل ضعف البترول الخام، ويقوم المصرفيون المركزيون في العالم المتقدم بتنسيق جهودهم لضمان استمرار تدفق الدولار اﻷمريكي حول العالم، فقد خفض الاحتياطي الفيدرالي، الأحد الماضي، أسعار الفائدة على خطوط المبادلة لتسهيل توافر الدولار مع 5 بنوك مركزية أخرى.


وقال تود شوبرت، رئيس أبحاث الدخل الثابت فى بنك سنغافورة، إن الدولار القوي عادة ما يكون بمثابة رياح معاكسة لعملات الأسواق الناشئة وأكثر من ذلك بالنسبة للدول التي تعتمد على تمويل الدولار في الخارج ولديها أنظمة لأسعار الصرف العائمة.

واتخذت البنوك المركزية الأخرى فى الأسواق الناشئة خارج آسيا خطوات للتعامل مع التأثير الاقتصادى لتفشي فيروس “كورونا”، فعلى سبيل المثال خفض البنك المركزي التركي، الثلاثاء الماضي، معدل الفائدة على إعادة الشراء لمدة أسبوع واحد بمقدار 100 نقطة أساس في اجتماع طارئ، كما أنه أعلن عن مجموعة من الإجراءات المصممة لتعزيز سيولة القطاع المصرفي وتعزيز نمو القروض.


بالإضافة إلى ذلك، خفضت مصر سعر فائدتها الأساسي بمقدار 300 نقطة أساس في اجتماع طارئ مساء الاثنين الماضي، مما قد يفرض ضغوطاً على الجنيه، الذي يعرف بأنه واحد من أفضل عملات التداول المحمول على مدى العامين الماضيين، ولكن البنك المركزي يعتقد أن اﻷمر يستحق المخاطرة لمساعدة الاقتصاد في مواجهة “كورونا”.